ابن قيم الجوزية
564
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
ومجاهدة النفس والشيطان ومخالفتهما ، وترك ما يهواه العبد ويحبه للّه ، فإن لهذه العبودية شأنا ليس لغيرها . ولولا وجود الكفار ، لما حصلت عبودية الجهاد ، ولما نال أهله درجة الشهادة ، ولما ظهر من يقدّم محبة فاطره وخالقه على نفسه وأهله وولده ، ومن يقدم أدنى حظ من الحظوظ عليه ، فأين صبر الرسل وأتباعهم وجهادهم وتحملهم للّه أنواع المكاره والمشاق وأنواع العبودية المتعلقة بالدعوة وإظهارها ، لولا وجود الكفار . وتلك العبودية تقتضي علمه وفضله وحكمته ، ويستخرج منه حمده وشكره ومحبته والرضا عنه ، يوضحه : الوجه الحادي والعشرون : أنه قد استقرت حكمته سبحانه أنّ السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب ، ولا يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق ، ولذلك حفّ الجنة بالمكاره والنار بالشهوات ، ولذلك أخرج صفيّه آدم من الجنة ، وقد خلقها له ، واقتضت حكمته أن لا يدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب ، فما أخرجه منها إلا ليدخله إليها أتمّ دخول ، فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني من التفاوت ، وكم بين دخول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة في جوار المطعم بن عدي ودخوله إليها يوم الفتح ، وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة ، بعد مقاساة ما قبلها ، وبين لذتهم لو خلقوا فيها ، وكم بين فرحة من عافاه بعد ابتلائه ، وأغناه بعد فقره ، وهداه بعد ضلاله ، وجمع قلبه بعد شتاته ، وفرحة من لم يذق تلك المرارات ، وقد سبقت الحكمة الإلهية أنّ المكاره أسباب اللذات والخيرات كما قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) [ البقرة ] . وربما كان مكروه النفوس إلى * محبوبها سببا ما مثله سبب